الشيخ محمد الصادقي

51

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) . لقد نلد اللعين حينما نفد جوار الرحمة ، ودخل بوار الزحمة ، فنسب غوايته إلى اللّه ، أم قد يعني من هذه النسبة أنه تعالى ابتلاه بما أغواه وأهواه ، وهو معترض على اللّه بما ابتلاه ! . « قالَ . . . لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » كحارس على مدخل الصراط ، حارص على الإغواء عن الصراط ، حارث للغواة إلى حزبه ، وهذه الحراسة لعنة ورحمة ، لعنة كما يعنيه إبليس ويحققه من إضلال المتطرقين للصراط المستقيم ، ورحمة لا يعنيها وهي إخلاص الوافدين إلى اللّه ، أن يغدوا إليه بمطاردة اللعين ، وكافة الأهواء الحاجبة بينهم وبين اللّه ، إذا « فأعطاه النظرة استحقاقا للسخطة ، واستتماما للبلية ، وإنجازا للعدة فقال : فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » « 1 » . وقد تلمح « لهم » لما لم يقصده من الرحمة ، ولما قصده من الزحمة إظهارا لها بمظهر الرحمة ، حيث يزيّن لهم موقفه من « الصراط المستقيم » فإنه يزين لهم الباطل حتى يروه حقا ، وكما وعد : « قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » ( 15 : 29 ) وكأن اللّعين يعني بمكره هذا وإغواءه عذرا جزاء إغواءه من اللّه ، رغم أن إغواءه عدل وإغواء الشيطان ظلم . وعلى أية حال فقد كان قعوده على الصراط المستقيم لهم في ظاهر التصميم قصدا حيث يتظاهر به ، ثم هو في الصميم دون قصد ، وهو يخفي عنهم أنه قاعد الصراط المستقيم عليهم ، فلذلك قال « لهم » دون « عليهم » .

--> ( 1 ) . نهج البلاغة من الخطبة القاصعة للإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السّلام ) وقد أوردناها بتفسيرها في ج 14 ص 172 من الفرقان فراجع .